الشيخ عباس القمي

8

سفينة البحار ومدينة الحكم والآثار

ربّان غوّاص ذوّاقة كالمحدّث القمّيّ قدّس سرّه ، غاص في أعماقها بعلمه ودرايته ، واقتنص من لئالئها وجواهراها نماذج تخطف الأبصار وتبهج الأفئدة ، ودلّ على أماكنها ومكامنها الباحث المتشوّق المستزيد ، فكان له فضل الرّيادة في هذا المجال والتقدّم في هذا الفنّ على فحول الرجال . على أنّه لم يقنع بما أخذه من بحار الأنوار بل زاد عليه ما استدركه من الأحاديث ، وضمّ إلى ذلك مطالب ثمينة في التفسير والتاريخ والأخلاق والعلوم ، وتراجم قيّمة لمشاهير الصحابة وأئمّة الدين ونبذا من أحوال معاريف رجال الفريقين وبعض الشعراء والأدباء المعروفين . وسلك في كتابه ( السفينة ) طريقة ومسلك كتاب ( النهاية ) لابن الأثير في ترتيبه بالتزام الحرف الأول والثاني من كلّ كلمة ، لكنّ كتابه تميّز بأشياء جعلت الإفادة منه تنحطّ عمّا يليق بمثله ، وذلك باستخدامه الحروف الأبجدية بدل الأرقام في نهاية كل مطلب للدلالة على رقم مجلّدات البحار وأبوابها بالطبعة القديمة . فذكر مثلا في باب « أمم » : باب وجوب معرفة الإمام وأنّه لا يعذر الناس بترك الولاية ( ز د 16 ) ، حيث يشير حرف الزاي إلى رقم ( 7 ) وهو رقم مجلّد البحار ، ويشير حرف الدال إلى رقم ( 4 ) وهو رقم الباب في مجلّد البحار ، ثمّ يشير الرقم الأخير ( 16 ) إلى رقم الصفحة في مجلّد البحار وذلك حسب الطبعة القديمة ، وهذا ما جعل من يمتلك بحار الأنوار بطبعته الجديدة قليل الإفادة من كتاب السفينة . وكذلك استخدامه قدّس سرّه الرموز للإشارة إلى المصادر الواردة في المتن ممّا قد يعسر على القرّاء الأعزّاء . وتميّزت نسخة السفينة بخطّ غير مشكول ، مطالبه محتشدة بلا فصل ، يخلو أغلبها من العنوان ، يضاف إلى ذلك أخطاء في النسخ غير قليلة .